ابو القاسم عبد الكريم القشيري

528

لطائف الإشارات

« الرَّحِيمِ » يوجب ابتهاج القلوب وبه يحصل شفاء فتونهم ، فعودة فتونهم في لطف جماله كما أن موجب جنونهم في كشف جلاله . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) « يا أَيُّهَا النَّاسُ » نداء علامة ، و « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » * نداء كرامة ، وبكلّ واحد من القسمين يفتتح الحقّ خطابه في السّور ؛ وذلك لانقسام خطابه إلى صفة التحذير مرة ، وصفة التبصير أخرى . والتقوى هي التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات . وتجنب المحظورات فرض ، وتجنب الفضلات والشواغل - وإن كان من جملة المباحات - نفل ، فثواب الأول أكثر ولكنه مؤجّل ، وثواب النّفل أقلّ ولكنه معجّل « 1 » . ويقال خوّفهم بقوله : « اتَّقُوا » . ثم سكن ما بهم من الخوف بقوله : « رَبَّكُمْ » فإنّ سماع الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية . قوله : « إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ » : وتسمية المعدوم « شيئا » توسّع ؛ بدليل أنه ليس في العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مطلق اللفظ يقتضيه ، وكذلك القول في تسميته « شيئا » هو توسّع . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 2 ] يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( 2 ) لكل ذلك اليوم شغل يستوفيه ، ويستغرقه ، وترى الناس سكارى أي من هول ذلك

--> - ومن المفيد أن نسوق نصا لإحدى المجانين : معشر الناس ما جننت ولكن * انا سكرانة وقلبي صاح أنا مفتونة بحب حبيب * لست أبغى عن بابه من براح ( الروض الفائق ص 362 ) وكتابنا ( نشأة التصوف الإسلامي ط المعارف ص 178 ) . ( 1 ) هذا أصل يضاف إلى أصول الفقه الصوفي عند القشيري .